الشيخ محمد رشيد رضا
203
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
صالح هي أو هي الطرق عنه . على أن السؤال غير صريح في طلب بيان العلة ، وحمله على طلب الحكمة والفائدة ولو مع العلة غير بعيد ، فالمختار ان الجواب مطابق للسؤال وقد بين الأستاذ الامام بمناسبة القول المشهور في السؤال وانه عن العلة ما بعث الأنبياء لبيانه فهم يسئلون عنه وما ليس كذلك فقال ما مثاله العلوم التي نحتاج إليها في حياتنا على أقسام : منها ما لا نحتاج فيه إلى أستاذ كالمحسوسات والوجدانات فهذا هو ( القسم الأول ) ومنها ما لا نجد له أستاذا لأنه مما لا مطمع للبشر في الوصول اليه البتة وهو كيفية التكوين والايجاد الأول المعبر عنه بسر القدر « 1 » يمكن للنباتي ان يعرف ما يتكون منه النبات وكيف ينبت وينمو ويتغذى ، وللطبيب ان يعرف كيفية تولد الحيوان والأطوار التي يتدرج فيها منذ يكون نطفة إلى أن يكون انسانا مستقلا عاقلا ، ولكن لا يعرف نباتي ولا طبيب كيف وجدت أنواع النبات وأنواع الحيوان أو مادتهما لأول مرة ، ولا كيف وجد غيرهما من المخلوقات ، ومن هنا تعلمون ان العلاقة بين الخالق والمخلوق من هذه الجهة - جهة الايجاد والخلق - لا يمكن اكتناهها . وكذلك لا يمكن اكتناه ذات اللّه تعالى وصفاته . وهذا هو ( القسم الثاني ) ومنها ما يتيسر للناس ان يعرفوه بالنظر والاستدلال والتجربة والبحث كالعلوم الرياضية والطبيعية والزراعية والصناعات والهيئة الفلكية ، ومنها أسباب أطوار الهلال ، وتنقله من حال إلى حال ، أي المعبر عنه بقوله تعالى ( 36 : 39 وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) وهذا هو ( القسم الثالث ) ( القسم الرابع ) ما يجب علينا للخالق العظيم الذي أودع في فطرنا الشعور بسلطانه وهدى عقولنا إلى الايمان به بما نراه من آياته في الآفاق وفي أنفسنا . فان هذا الشعور وهذه الهداية مبهمان لا سبيل لنا إلى تحديدهما من حيث ما يجب اعتقاده في اللّه تعالى وفي حكمة خلقنا ومراده منا وما يتمع ذلك من أمر مصيرنا ومن حيث ما يجب له من الشكر والعبادة . وهذا مما لا سبيل إلى معرفته بطريق
--> ( 1 ) قوله المعبر عنه بسر القدر فيه نظر